أبي الفرج الأصفهاني
504
الأغاني
دوشابيّ [ 1 ] غليظ مسحوريّ [ 2 ] رديء . فقلت / له : لا تفعل ، وجهدت به ألَّا يأكل ولا يشرب إلَّا عند محمد بن سليمان ؛ فلم يلتفت إليّ ، وأكل ذلك الرأس وشرب من ذلك النبيذ الغليظ حتّى طابت نفسه ، وغنّى وغنّى القيّم معه مليّا ؛ ثم خاطب القيّم بما أغضبه ، وتلاحيا وتواثبا ؛ فأخذ القيّم شيئا فضربه به على رأسه فشجّه حتّى جرى دمه . فلمّا رأى الدم / على وجهه اضطرب وجزع وقام يغسل جرحه ، ودعا بصوفة محرقة وزيت ، وعصبه وتعمّم وقام معي . فلمّا دخلنا دار محمد بن سليمان . ورأى الفرش والآلة وحضر الطعام فرأى سروه [ 3 ] وطيبه ، وحضر النبيذ وآلته ، ومدّت الستائر وغنّى الجواري ، أقبل عليّ وقال : يا مجنون ! سألتك باللَّه أيّما أحقّ بالعربدة وأولى : مجلس القيّم أم مجلس الأمير ؟ فقلت : وكأنه لا بدّ من عربدة ! قال : لا ! واللَّه ما لي منها بدّ ، فأخرجتها من رأسي هناك . فقلت : أمّا على هذا الشرط فالذي فعلت أجود . فسألني محمد عما كنّا فيه فأخبرته ؛ فضحك ضحكا كثيرا ، وقال : هذا الحديث واللَّه أظرف وأطيب من كلّ غناء ؛ وخلع عليه وأعطاه خمسة آلاف درهم . اتفق مع حكم الوادي على إسقاط ابن جامع عند يحيى بن خالد : قال هارون بن محمد وحدّثني حمّاد بن إسحاق قال حدّثني أبو إسحاق القرمطيّ قال حدّثنا مدركة بن يزيد قال : قال لي فليح بن أبي العوراء : بعث يحيى بن خالد إليّ وإلى حكم الواديّ وإلى ابن جامع ، فأتيناه . فقلت لحكم : إن قعد ابن جامع معنا فعاونّي عليه لنكسره . فلمّا صرنا إلى الغناء غنّى حكم ؛ فصحت وقلت : هكذا واللَّه يكون الغناء ! ثم غنيت ، ففعل لي حكم مثل ذلك . وغنّى ابن جامع فما كنّا معه في شيء . فلمّا كان / العشيّ أرسل إلى جاريته دنانير : إنّ أصحابك عندنا ، فهل لك أن تخرجي إلينا ؟ فخرجت وخرج معها وصائف ؛ فأقبل عليها يقول لها من حيث يظنّ أنّا لا نسمع : ليس في القوم أنزه نفسا من فليح . ثم أشار إلى غلام له : أن ائت كلّ إنسان بألفي درهم ، فجاء بها ؛ فدفع إلى ابن جامع ألفي درهم فأخذها فطرحها في كمّه ، وفعل بحكم الواديّ مثل ذلك فطرحها في كمّه ، ودفع إليّ ألفين . فقلت لدنانير : قد بلغ منّي النبيذ ، فاحبسيها لي عندك حتى تبعثي بها إليّ ؛ فأخذت الدراهم منّي وبعثت بها إليّ من الغد ، وقد زادت عليها ؛ وأرسلت إليّ : قد بعثت إليك بوديعتك وبشيء أحببت أن تفرّقه على أخواتي ( تعني جواريّ ) . طلبه الفضل بن الربيع فجيء به مريضا فغنى ورجع ثم مات في علته : قال هارون بن محمد وحدّثني حمّاد قال حدّثني أبي قال : كنّا عند الفضل بن الربيع ، فقال : هل لك في فليح بن أبي العوراء ؟ قلت نعم . فأرسل إليه ، فجاء الرسول
--> [ 1 ] الدوشابي : نسبة إلى الدوشاب وهو نبيذ التمر معرّب ؛ قال ابن المعتز : لا تخلط الدوشاب في قدح بصفاء ماء طيب البرد وقال ابن الرومي : علَّني أحمد من الدوشاب شربة بغّضت قناع الشباب [ 2 ] مسحوري : فاسد . [ 3 ] كذا في ط ، ء . وفي سائر الأصول : « ورأى سروره به وطيبه » : وهو تحريف . والسرو : الشرف والسخاء . ولعل المراد بسرو الطعام جودته وكثرته .